مصطفى لبيب عبد الغني
140
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
غاية صفائه وأضاء لنا غاية إضاءته وبلغ بنا نهاية قصد بلوغنا به ، وكنا سعداء بما وهب الله لنا منه ومنّ علينا به » « 1 » . إن الرازي - وهو الخبير بطبائع النفوس - يحذرنا من ناحية أخرى - من أن اعتياد الشهوات واتباع الأهواء يؤديان إلى إدمانها « فتصير حالة كل ذي حالة عنده ، أعنى المألوفة المعتادة ، ولا يتهيأ الإقلاع عنها لأنها صارت بمنزلة الشئ الاضطراري » « 2 » . على حين أن « المؤنة في احتمال غلبة الهوى وقمع الشهوات ستخف بالاعتياد ولا سيما إذا كان ذلك على تدريج بأن يعوّد [ المرء ] نفسه وبأخذها أولا بمنع اليسير من الشهوات وترك بعض ما تهوى لما يوجبه العقل والرأي ، ثم يروم من ذلك ما هو أكثر حتى يصير ذلك فيه مقارنا للخلق والعادة وتذل نفسه الشهوانية وتعتاد الانقياد للنفس الناطقة ، ثم يزداد ذلك ويتأكد عند سروره بالعواقب العائدة عليه من زمّ هواه وانتفاعه برأيه وعقله وسياسة أموره بهما ومدح الناس له على ذلك واشتياقهم إلى مثل حاله » « 3 » . والرازي يؤمن - على ذلك - ضمنا - بأن صواب المنهج أو الاتجاه مرهون أيضا بما له من قيمة عملية ، وما يترتب عليه من نفع أو نجاح في مواجهة المشكلات المطروحة . والرازي - فيما يظهر - يحرص - الحرص كله - على توجيه أنظارنا إلى خطر الركون إلى الإلف والاعتياد وإلى ضرورة الاحتراس منه ، ذلك أن الإلف الذي يحدث في النفس عن طول الصحبة مع كراهة مفارقة المصحوب بلية عظمى - فيما يقول . والاحتراس منه يكون « بالتعرض لمفارقة المصحوب حالا بعد حال ، وأن لا ينسى ذلك ويعقل البتة بل تدرج نفسه إليه وتمرّن عليه » « 4 » .
--> ( 1 ) المصدر السابق : ص 18 - 19 . ( 2 ) المصدر السابق : ص 23 . ( 3 ) المصدر السابق : ص 22 . ( 4 ) المصدر السابق : ص 46 .